عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
108
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
رب هلا غفرت لي في الجنة ؟ فقال لو غفرت لك في الجنة لم يظهر كرمي بمغفرتي لرجل واحد ولكن أردت أن تخرج إلى الدنيا وتأتيني بألوف من العصاة فأغفر لهم حتى يتبين كرمي وجودي . ( حكاية ) كان دانيال عليه السلام عارفا بالطب فأراد أن يظهر نفسه فأمر طباخ الخليفة أن يزيد دانقا من الملح في الطعام ففعل ذلك فضعف نظر الخليفة فسأل دانيال عن ذلك فقال إنّ الطباخ زاد في ملح الطعام فسأله فقال نعم قال ولم ؟ قال أمرني دانيال بذلك فسأله فقال : إنك لم تحتج إلى علمي فأردت أن تحتاج إليه كذلك مولانا سبحانه وتعالى له خزانة رحمة فقدر المعصية ليحتاج الخلق إلى رحمته . ( لطيفة ) وقيل لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : هل يرحم اللّه العصاة ؟ فدعا بإناءين أحدهما حسن والآخر قبيح فنزل المطر فملأهما جميعا فقال كذلك رحمة اللّه سبحانه وتعالى تعم الطائع والعاصي . وقال داود عليه السلام : إلهي ما كرمك على عبادك فقال اللّه تعالى : يا داود إني لا أرد العصاة عن المعصية بالعذاب بل أردهم بالإحسان ليستحوا مني فيتوبوا إلي يا داود قل للمتلذذين بذكري هل وجدتم ربا أكرم مني ؟ وأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام قم على بابي فإني لطيف وادعني فإني مجيب واسألني فإني غني وناجني فإني قريب وأصحبني فإني كريم . ( حكاية ) رأيت في الحدائق لابن الملقن رحمه اللّه تعالى أن بني إسرائيل أصابهم قحط فخرج موسى عليه الصلاة والسلام يستسقي فلم تزدد الشمس إلا حرا والسماء إلا صحوا فقال يا رب إن كان جاهي خلق عندك فبجاه محمد صلى اللّه عليه وسلّم اسقنا الغيث فأوحى اللّه تعالى إليه جاهك غير خلق عندي ولكن فيكم رجل له أربعون سنة يعصاني فمن أجله منعتكم الغيث فقام موسى عليه الصلاة والسلام فيهم خطيبا وقال : يا أيها العاصي الذي له أربعون سنة يعصي ربه أقسمت عليك ان تخرج من بيننا فقال العاصي : إن قمت عرفني بنو إسرائيل فوضع رأسه في جيبه وقال : يا إلهي تبت إليك فنزل المطر كأفواه القرب فقال موسى يا رب بم سقيتنا الغيث ؟ قال بالعاصي فقال يا رب أرني إياه فقال اللّه تعالى يا موسى أنا ما فضحته حال معصيته فكيف أفضحه وقد تاب ؟ ورأيت في حقائق الحقائق أن كل عبد له صورة في قوائم العرش وعليها ستارة فإذا عمل العبد طاعة ارتفعت الستارة فتراه الملائكة وإذا عمل معصية نزلت عليه الستارة فلا تراه الملائكة . ورأيت في الإحياء : لا يكون العبد على حال إلا انطبع مثاله في العرش على الصورة التي كان عليها فإذا كان في سكرات الموت كشفت له صورته من العرش فربما يرى نفسه في صورة معصيته فيأخذه من الخوف ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى . ورأيت في قوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) [ ق : 18 ] أن اللّه تعالى يبدل كاتب الحسنات بغيره وكاتب السيئات لا يبدله ، والإشارة في ذلك أن العبد يرد يوم القيامة بشهود كثيرة للحسنات وكاتب واحد للسيئات فيقول اللّه تعالى لا أقبل واحدا وأترك جماعة .